محمد بن جرير الطبري

346

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

محمدًا صلى الله عليه وسلم عما فيه له رضًا . فهو أدبٌ من الله لجميع خلقه على ما أدَّبهم به في الصدقات غير المفروضات ثابتُ الحكم ، غيرُ ناسخ لحكم كان قبله بخلافه ، ولا منسوخ بحكم حدث بعده . فلا ينبغي لذي ورع ودين أن يتجاوز في صدقات التطوعَ وهباته وعطايا النفل وصدقته ، ما أدَّبهم به نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : " إذا كان عند أحدكم فضل فليبدأ بنفسه ، ثم بأهله ، ثم بولده " ، ثم يسلك حينئذ في الفضل مسالكه التي ترضي الله ويحبها . وذلك هو " القَوام " بين الإسراف والإقتار ، الذي ذكره الله عز وجل في كتابه = إن شاء الله تعالى . * * * ويقال لمن زعم أن ذلك منسوخ : ما الدلالة على نسخه ، وقد أجمع الجميعُ لا خلاف بينهم : على أن للرجل أن ينفق من ماله صدقةً وهِبهً ووصيةً ، الثلثَ ؟ فما الذي دل على أن ذلك منسوخ ؟ فإن زعم أنه يعني بقوله : " إنه منسوخ " ، أنّ إخراج العفو من المال غير لازم فرضًا ، وإن فرض ذلك ساقطٌ بوجود الزكاة في المال = = قيل له : وما الدليل على أن إخراج العفو كان فرضًا فأسقطه فرضُ الزكاة ، ولا دلالة في الآية على أن ذلك كان فرضًا ، إذ لم يكن أمرٌ من الله عز ذكره ، بل فيها الدلالة على أنها جوابُ ما سأل عنه القوم على وَجه التعرف لما فيه لله الرضا من الصدقات ؟ ولا سبيل لمدَّعي ذلك إلى دلالة توجب صحة ما ادَّعى . * * * قال أبو جعفر : وأما القراءة فإنهم اختلفوا في قراءة " العفو " . فقرأته عامة قراءة الحجاز وقرأة الحرمين وعُظم قراءة الكوفيين : " قل العفو " نصبًا . وقرأه بعض قراءة البصريين : " قل العفو " رفعًا . فمن قرأه نصبًا جعل " ماذا " حرفًا واحدًا ، ونصبه بقوله : " ينفقون " ، على ما قد بيَّنت قبل